محمد طاهر الكردي

254

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ظلمة الليل ، قد عرفوها فهم لا يحتاجون إلى مرشد ولا دليل فأمضي أمامي مجدا في السرى ، أريد أن أفجأ أهلي مع الصبح . وإني لفي بعض الطريق وقد سكن من حولي كل شيء حتى لا أسمع إلا أخفاف مطيتي تمس الأرض مسا رفيقا ، وإلا هذه الأنات التي ترسلها المطايا إذا جهدها السير وحنت إلى الراحة ، وإلا ما كنت أناجي نفسي به من حديث أهلي إذ طلعت عليهم مع ضوء الشمس . وكان ضوء القمر قد انبسط على الفلاة هادئا نقيا فملأ نفسي أمنا ودعة وهدوءا وإني لفي ذلك ، وإذا غمغمة تصل إليّ من بعيد ، فلا أحفل بها ولا ألقي إليها بالا ، وإنما أمضي فيما أنا فيه من الاستمتاع بلذة هذا السرى ، ومس أخفاف مطيتي للأرض ، وحنينها إلى ما بعد عهدها به من الراحة ، وأحاديث نفسي عمن فارقت في الطائف وعمن سألقى في مكة ولكن الغمغمة تدنو مني أو أنا أدنو منها ، وإذا هي تشتد شيئا فشيئا ، وإذا أصواتها تمتاز وتستبين وإذا أنا أسمع أحاديث قوم يتهامسون ، وإذا أنا أنظر فلا أرى أحدا والقمر مع ذلك مع ذلك مشرق مضيء ، والفلاة مع ذلك مبسوطة لا عوج فيها ولا ارتفاع ، والحديث مع ذلك من حولي واضح يملأ الهواء وقلب مع ذلك يضطرب ويمشي في صدري رعبا وأنا أذهب بمطيتي إلى أمام وأرجع بها إلى وراء ، وأذهب بها عن يمين وأذهب بها عن شمال ، وأرفع بصري إلى السماء وأخفض بصري إلى الأرض ، فلا أرى شيئا ولا أتبين شيئا إلا جمال هذا الضوء الرائع يغشى الأرض برداء نقي رقيق وهذه النجوم التي لا تحصى وقد تألقت في السماء كأنها المصابيح ، وانطلقت في طريقها مسرعة كأنها تستبق ، وهذه الأحاديث الواضحة تتحدث بها جماعات لا أراها ، ولكنها لا تستقر وإنما يمضي بعضها أثر بعض . وإني لأسمع قائلا يقول : " انظروا إلى السماء ، فما أرى أنها كعهدنا بها من قبل . إن نجومنا لتتألق في قوى لم نرها قط إنها لتستبق في سرعة لم نرها قط . إنها لتدنو من الأرض حتى أن نارها لتوشك أن تحرقنا . إن التصعيد في السماء لعسير . وفيما نصعد إلى السماء وإن السماء لتهبط إلينا ، إن البقاء على الأرض لعسير . وأنى لنا الثبات بهذا الضوء الذي لا يخفى عليه شيء ، حتى أشباحنا الخفية التي لا تراها العيون ( النجاء النجاء ) إن للغيب لعجبا ، وإن في الأرض لحدثا ، وإن الزمان ليستدير ، وإنا لا ندري أشر أريد بالناس أم خير ، وإني لأسمع ما أسمع وأرى ما أرى ، فيبهرني ما أسمع ويسحرني ما أرى ، وأشغل به حتى عن أن أسأل نفسي أين أكون وما تكون هذه الأصوات " ، ولكن أحس أصواتا أخرى كأنها تهيب بأهل تلك الأصوات التي كنت أسمعها